حسين يوسف موسى / عبد الفتاح الصعيدي
مقدمة 11
الإفصاح في فقه اللغة
مطلوبه منه عن كثب ، ولكنه قد انتحى من الكتب ناحية غير مظنّة وجوده ، ساقته إليها المصادفات ، وزجّه فيها الاستطراد لأدنى ملابسة ، ولغير أدنى ملابسة ، فلا يهتدى الإنسان إليه إلا حين يطلب غيره فلا تكون له إليه حاجة . ذلك لأن نظام تلك المعاجم وتنسيق ما فيها على حسب الألفاظ يحصر أوجه الانتفاع بها ، فلا ينتفع بها إلا قرّاء العربية حين يعترضهم لفظ غريب ، وأما الكتاب والمنشئون والمترجمون وغيرهم فهم في حاجة ماسّة إلى معجم يسعفهم باللفظ حين يحضرهم المعنى . تلك حال اللغة العربية الآن : لغة القرآن الكريم ، لغة الدين الحنيف ، لغة الشريعة الاسلامية ، لغة الأمة القومية ، لغة الدولة الرسمية ، لم تنل من تأييد أولي الأمر ، ولا من تشجيع الأمة ما يأخذ بيدها ، ويدفع المشتغلين بها إلى موالاة الدأب ، واحتمال النصب في خدمتها ، وإنهاضها من كبوتها . عملنا لخدمة اللغة ابتدأنا حياة التدريس بالمدارس الابتدائية ، فرأينا إخواننا مدرّسى الترجمة يفزعون إلينا في إسعافهم بالألفاظ العربية الصحيحة لما يريدون ترجمته ، فكانوا يصوّرون لنا المعاني ، ويطالبوننا بالألفاظ ، وكنا في كثير من الأحيان لا يمتدّ بنا اطلاعنا إلى مدى ما يريدون ؛ إما لأن المطلوب اسم أداة خاصة في بعض الصناعات التي استتبع جهلنا إياها جهلنا ما يتصل بها ، أو لأن المطلوب معنى دقيق غير متداول ، فكنا نقف أمامهم موقف العجز ، ونقرّ بالقصور . ينالنا هذا العجز والمعاجم العربية بأيدينا ، ولكن ما غناء تلك المعاجم ومفاتيحها الألفاظ ، وهذه هي الضالة المنشودة . لمسنا موضع النقص في التأليف ، فاعتزمنا أن نقوم بنصيبنا في سدّ هذه الثلمة ، وتذليل تلك العقبة بالقدر الذي تسمح به جهودنا ومواهبنا . فزعنا إلى كتب اللغة التي بين أيدينا ، والتمسنا منها ما يدنينا من غايتنا فوجدنا ، أن كتاب « المخصّص » لابن سيده أرفع هذه الكتب جنابا ، وأوسعها رحابا ، وأحكمها نظاما وتبويبا ، وأفضلها تنسيقا وتهذيبا ؛ غير أنه عباب خضمّ ، وعيلم غطمّ . يؤيد رواياته الكثيرة بشواهده المنظومة والمنثورة ، ويعزز ما يورده بآي القرآن الكريم والحديث الشريف ومأثور الأمثال ، ويستطرد